انت هنا : الرئيسية » أخبار سوريا » حدث ذات مرّة، أن قدّست الأحذية

حدث ذات مرّة، أن قدّست الأحذية

حدث ذات مرّة، أن قدّست الأحذية

نفير الساحل

من يوم ليوم، قد نقدس أحذيتنا أكثر مما نقدس رؤوسنا. أو ما رماهُ التاريخ داخل أوطاننا.

في مدينة اللاذقية التي تكنى مدينة القائد والابن /الأسد الأب والابن/ تختفي من يوميات ومخيلة أبناء المدينة قاطبة مدينة أوغاريت التاريخية، وقد لا يرتادها من أبناء المدينة الألف شخص سنوياً وهذا الكلام منسوب لمدير المتحف الوطني في مدينة اللاذقية. ناهيك عن الطريقة التي حاولت فيها المنشآت السياحية ترميمها مستخدمين أتربة البناء التقليدية والاسمنت الهندسي، والذي لا يُرمم بل يُشوه بقايا المشهد.

في التاريخ الرمزي للسوريين لم تسلم اكياس الخبز من صور القائد وابنه المتوفى بحادث سيارة. أتم السوريون التسعينيات وأرغفة الخبز ذاتها لا الأكياس يُطبع عليها صورة حافظ الأسد.

منذ بداية القرن الحادي والعشرون جاءنا الأسد الابن، دعايته الأمنية الاجتماعية لم تخلو من محاربة للرمزية العائلية والسلطوية.

إلا أن كل هذه الدعاية أثبتت زيفها. ففي مدينة اللاذقية أُخذ من تجار المدينة أكثر من مئة مليون ليرة سورية من اجل الدعاية الإعلامية التي رافقت إعادة الاستفتاء لبشار الأسد لعام 2007. واستمر المعنى الرمزي للعائلة السلطانية حتى الثورة السورية، التي حلت ريحها على الطابع الرمزي للنظام، والذي فقد تقريباً كل هالاته الرمزية، من تماثيل وصور ضخمة سواء للأب أو الابن المتوفى أو بشار نفسه.

وحُطم أكثر من سبعين بالمئة من الرموز الحجرية في عموم سوريا. وكثيراً ما كان الردُ على هدم تمثال بهدم المدن والقرى. يدٌ تهدم تمثالاً سيلاقيها صاروخ يهدم مدناً كاملة، ودبابةٌ تُزيح عن بالِ النظام ثقافة الحجر، وتعوضه بالمعدن الذي يُخرج نار العقاب الوائدة .هنا كان النظام يحتاج تكثيفاً رمزياً مناسباً لحربه الفاشية على المدنيين، مذ حينها، ولفقر المخيلة الأسدية تم اللجوء الفوري إلى الأحذية، أحذية العسكريين ، فالانتقال من الرأس إلى القدم في المجال التفكيري الأسدي سهلٌ جداً. فبدلاً من رأس الأسد المؤسس على مدخلٍ في ريف دمشق وضع َحذاء عسكري، هنا يُستعاض عن العائلة بالجيش الفاشي المؤسس، كتعويضٍ رمزي عن ما فات، فمن الشخصنة العائلية الرديئة والمستهلكة، إلى أحذية المؤسسة العسكرية.

هنا تكثر الرقصات بالحذاء العسكري الموضوع على الرأس، ويُخترق هذا المجتمع العلوي تحديداً، فالنظام وبنيته الاجتماعية الأمنية لا ترى بُعداً جوهرياً بين الانتماء للجيش والوجود الحياتي أصلاً، وتُعلق على أحذية الجيش السورية حيواتهم وسلوكياتهم. اللاذقية اليوم كُلها أحذية أحذية عسكرية تُزرع فيها الورود، عموماً ليس حذاء كما يُصحح الإعلام السوري الرسمي دوماً إنه ((بوط)) كلمة بثلاثة أحرف ذات إيقاع يترك الخشوع بين صفوف الخاشعين لجبروته، فالمصطلح يأتي من ألفاظ الشبيحة، والرمز أيضاً قد أتى من ثقافة الشبيحة التي تتمتع بدعس رقاب السوريين الآمنين.

لكل قرية بوط عسكري في ريف اللاذقية ومدنها، وكأن المسئولين الحكوميين يقتاتون من عمليات فساد متوائمة مع عملية إنشاء البُنى التحتية للأبواط العسكرية وخدماتها، في سوريا القرن الواحد والعشرين بعض السوريين لا يتصورن ولا يرفعون سوى الأحذية على رؤوسهم، من هنا يُسيطر النظام على طاقة رمزية تبدو غريبة، لكن المُتقبلين لها بالآلاف، ليست جبلة الأخيرة في التجربة بانتظار أن يصبح البوط العسكري شعار دولة الأسد. كما اختاروا هم.

إدارة الموقع غير مسؤولة عن محتوى التعليقات

اكتب تعليق

النفير | Annafir

الصعود لأعلى