انت هنا : الرئيسية » أخبار سوريا » في سوريا، تهدم جسور العودة .. مقتل الأب “فرانس” واحد من تلك الجّسور

في سوريا، تهدم جسور العودة .. مقتل الأب “فرانس” واحد من تلك الجّسور

في سوريا، تهدم جسور العودة .. مقتل الأب “فرانس” واحد من تلك الجّسور

تتكرر هذه الجملة في خطابات الشهيد الأب فرنسيس وفي مقابلاته التلفزيونية، أو من خلال المقاطع المُسربة له والمُلتقطة عبر الهواتف المحمولة. خلال كل المقابلات يُظهر الأب فرنسيس امتعاضه المباشر من طبيعة السؤال الموجه أليه دوماً، لماذا تبقى داخل أحياء حمص؟ هنا يقتطع الأب فرنسيس زمن الولادة والجنسية وكل إمكانية تجعله مكانياً خارج آلام من حوله من أهالي حمص ولا يخرج. في ذات الوقت تبدو برودته الساحرة كثيرة التعبير، يُكثف فِكرتهُ وإن غضب يزداد تماسكه الذهني ويبدأ بالحديث فوراً عن نقص الغذاء والأدوية، وإطلاعه يبدو استثنائياً، فيوصف الأدوية الناقصة، والأزقة الأكثر تضراً واحتياجاً، واللقاحات المطلوبة، والمجاعات التي قد رأى بعضاً منها.

الأب “فرانس” يعرفُ الناس كما تعرف الأم أبنائها. يبدو بسيطاً في مقابلاته، يكسر مفاجأة الحدث لينتقل إلى اليومي الأصعب، يشغله الجوع والعطش والدواء، وإن ذكر العنف ذكره كمتمم طبيعي اعتاد عليه كما اعتاد الناس.

 موقفه السياسي ليس مهماً هو مع الناس فقط ، بقدر ثائر أراد الحق والحرية والعدالة، لا يهمهُ التسييس في الشيء، بل يهمه حيوات الناس وذواتهم. مشاهدة حيز كبير من مقابلاته تُوضح رصانته الأخلاقية، وتوصيفه المحايد. لا بل تظهر بعض المقالات حسّه المتجرد عن السياسة ورفضه البات بأن يتحيز سياسياً على حساب واقع إنساني شديد المأساوية. من يعرف ان الأب فرنسيس أتم الخمسين عاماً في سوريا، وفي مدينة حمص تحديداً يُبادر لأن يسأل نفسه مثلاً عن مدى الإمكانيات الاجتماعية والاستطاعة الاجتماعية لدى السوريين لأن يتواءموا مع غيرهم، وخلق حياة يُوصفها الأب فرنسيس ” الطيبة السورية، والبساطة والحب لاكتشاف الآخر”  من هنا مثلاً يجلس الأب فرنسيس في مقابلاته مع شيخ سلفي، ومع شباب متدينون إيمانيون وعقائديون إسلاميون يتناول فطوره معهم، ويعمل معهم ويُوثق معهم آثار الجوامع والكنائس التي هدمها القصف.

تواصليته العالية مع الناس ومع البيئة الثورية جعلته نموذجاً مسيحياً أيضاً، ليس بسبب موقف سياسي يُشهر فيه، بل فقط من خلال تعاضده مع الناس والمظلومين، خلافاً لثقافة سوريّة  راجت عند العديد من الفئات ومنها قسم كبير من المسيحيين في أن يبدوا انعزالهم عن الثورة انعزالاً عن الوقوف إنسانياً مع مجتمعها المظلوم والمُعنف، من دائرة اعتادوها وكرسها النظام في أن يكون المسيحيون مجرد سلعة في السوق الاستعمالي للنظام.

يبدو قتل الأب فرنسيس موجعاً، خاصة على مستوى الاستحقاق التواصلي الذي استطاع فتحه، والقيمة الوجودية التي لم يتخلى عنها وهو في قلب حرب يستطيع الانعزال عن كل آثارها.

ينضم الأب فرنسيس لقافلة طويلة ممن كان يُعول عليهم في إنتاج رحمة وصلة سورية أمينة وإنسانية، وهو من الشخصيات الاعتبارية التي كانت تُثبت قيمة السلام قولاً وفعلاً، ولم يلطخه غزارة المشهد بأي موقف سياسي محض في ظل رداءة عالمية تعتري بالواقع السوري.

إدارة الموقع غير مسؤولة عن محتوى التعليقات

اكتب تعليق

النفير | Annafir

الصعود لأعلى