انت هنا : الرئيسية » أخبار سوريا » النظّام السّوري يبذل كل ما بوسعه لدفع سوريا إلى الاقتتال الأهلي

النظّام السّوري يبذل كل ما بوسعه لدفع سوريا إلى الاقتتال الأهلي

النظّام السّوري يبذل كل ما بوسعه لدفع سوريا إلى الاقتتال الأهلي

من السهل اكتشاف آليات العنف وأدواته المُستخدمة عندما يكون بُنيان الدولة واضحاً ومُشهراً. فالدولة العُنفية أو التي حازت سلطتها على العنف فقط بشكله الأمني والعسكري، تكون واضحة، تُعرف سقاطاتها من تزوير المحاكم مثلاً، وقمع الحريات العامة وتقييد العمل السياسي والنشاط المدني، في سوريا لا يتم فِعلُ الدولة المستبدة الشمولية بالطرق التقليدية المذكورة، بل يُنتج أشكالاً يُناط بها تصنيفياً أن تكون رعاية للحرب الأهلية والاقتتال الاجتماعي. الدولة ترعى نموذج من آليات العنف لا تؤدي إلا لانفجارات اجتماعية متعاظمة.

منذ أقل من ثلاثة أيام حَملت صفحة موالية للنظام السوري في طرطوس مقطع فيديو يُظهر مدنيون مواطنون (نساء\ رجال) يقومون بضرب معتقلين داخل باص مليء بشبان متوسطي العمر، هذا ما يظهر من طبيعة أجسادهم وأحجامها. الباص المتوقف في ما يُشبه ساحة عامة محاطة بعساكر يضحكون ويكلمون من حول الباص من مدنيين ويدعونهم للتريث بالضرب.

نوافذ الباص مفتوحة، منها يمدُ المدنيون يديهم لضرب المعتقلين، الذين لا تظهر ووجوههم المغطاة بلباسهم، تيار العنف في المشهد لا ينتهي فبعد اقتطاع مشهد يظهر مدنيو طرطوس داخل الباص يلكمون المعتقلين ويضربونهم بشكل عشوائي ومُرعب، وإحدى النساء تضرب المعتقلين بحذائها ذو القاعدة الخشبية، مستهدفة رأسه ووجه وعينيه، وتكيل للمعتقلين شتائم جارحة، ولا تتوانى عن ذم أحد المعتقلين الذي يُخبرها بأن له أخ شهيد.

الرجل المدني الذي دخل الباص لا يتوانى أيضاً عن الضرب بكل قوته، وكاد أن يقع من قوة الضربات التي يوجهها جسده للمعتقلين المقيدين داخل الباص. هنا تظهر ضحكات الجنود والأمنيون المرافقين للباص.

يبدو المشهد كارثياً ومؤلماً، دولة وأدواتها العنفية تسمح للبعد الغرائزي الاجتماعي أن يستحوذ على مشهد العدالة والحقوق. لا بل أن يصبح المواطنون العاديون ثقاة للعدالة، العدالة الجزئية بشكلها الأكثر بشاعة، في أن ينتقل الحق وتطبيقه وترسيخ العدالة إلى كل من يستطيع استحواذها بيديه. فالضربات على وجوه المقيدين أمام المكلفين برعاية عنف الدولة هو رعاية لحرب أهلية مجتمعية، وأن يضرب مواطناً عادياً مواطناً مُعتقلاً بتهمة قانونية هو انتفاء نمطي لطبيعة العقوبة والقانون في دولة مثل سوريا.

إلا أن الأثر المركب لهذه المشاهد يزداد إيلاماً، فيؤكد المقطع للكثيرين مدى تماهي الدولة ودرجات سماحها للعنف المدني من قبل المجتمع الموالي، والتعليقات على المقطع على الصفحة الطرطوسية احتوت على أكثر من خمسين تعليقاً كتب فيها المعلقون عن مدى تمنيهم لأخذ دور القائمين بالضرب والذم. وكتب احد المعلقين أنه يتمنى من السلطات الأمنية إدخاله إلى المعتقلات ليشفي غليل حزنه وقهره على استشهاد أخيه.

ما أظهره الفيديو لا يُساوي ما لم تلحقه العدسات ولم توثقه، في البُعد السوري ما يظهر مرئياً لا يُساوي ما يخفيه الواقع من جنون وظلم. الأقسى هو تبني الدولة ورعايتها للعنف المجتمعي، والذي سيكرس أبشع الصور عن طبيعة ما يُسمى الدولة وسماتها التي جُربت.

من هنا يأخذ الإسلاميون المتشددون وأنظمتهم بُعداً أخلاقياً، ولو على سبيل الافتراض. فدولة راعية للظلم ستسقط هي وشعاراتها وعلى المدى البعيد قد ينسى السوريون أهمية وجودهم ضمن كيانية مفهوم الدولة.

نفير الساحل

Comments Closed

النفير | Annafir

الصعود لأعلى