انت هنا : الرئيسية » أخبار سوريا » سوريا، ميراث أثقل كاهل طائفة

سوريا، ميراث أثقل كاهل طائفة

سوريا، ميراث أثقل كاهل طائفة

النفير

مع دخول الثورة السورية عامها الرابع يبدو واضحا بأن السيناريو الذي حدث في سوريا خلال الأعوام الثلاث الماضية لم يكن متوقعا حدوثه، حتى من أشد الأشخاص المتشائمين الذين رأوا بأن الحراك سيأخذ سوريا الى هذا الدمار، إن كانوا من المقتنعين بأن النظام الحاكم في سوريا قد يفعل أي شيء أو يضحي بأي شيء من أجل الحفاظ على مزرعته أو مِن من رأوا بأن السوريين لا يتقنون السياسة او غير قادرون على القيام بأي حراك مدني أو سياسي في سبيل التغير لجهلهم بأساسيات العمل المدني والسياسي.

وبالطبع لا يمكن لأحد أن ينكر الدور الذي لعبته الدول الاقليمية والدول المحورية في الانعكاسات والانعطافات التي طرأت على الثورة خلال هذه الأعوام الثلاث، بدأً بالمطالبة بالتغير مروراً بشعار إسقاط النظام، ومن ثمة عسكرة الثورة وتحولها لمعركة أمراء الحرب، ووصولاً لحرب الميليشيات التي نعيشها حاليا.

ولكن يبقى السؤال لو أن هذا التدخل لم يكن، هل كانت ستؤول الأمور الى سيناريو أخر، او كما روِّج في الأيام التي تلت الثورة التونسية وانطلاق شرارة الربيع العربي بأنه لسوريا خصوصية ستجنّبها الحراك المتوقع انتقاله من بلد عربي الى آخر.

بالطبع اكتسبت سوريا هذه “الخصوصية” بالتركيز على ما يسمّونه خيار الممانعة الذي يدّعي النظام تبنّيه والموقف العام لما يسمى بمحور “الممانعة والمقاومة” من عداء لإسرائيل وأميركا وما يسمى بالمنظومة الامبريالية.

ولكن إن تناولنا السياسة الخارجية التي تحدث عنها دعاة هذه الخصوصية، نرى أن النظام وعلى العكس من مقولتهم سعى للاندماج في هذه المنظومة، مثل محاولته لعقد اتفاقية الشراكة الأوروبية، والزيارات المكوكية لبشار الأسد و زوجته للكثير من عواصم العالم، ودائما ما كان يرفًض قبوله لأسباب عدة.

أما لخيار “الممانعة” فإننا لم نرى أن هذا النظام قد تجاوز الخطوط الحمر في الصراع مع إسرائيل منذ العام 1974. كل ما فعله هو دعم حزب الله وحماس لنقل الصراع من عنده وإبقائها مشتعلة أو متوترة في لبنان و فلسطين، ومن ثم استثمار ذلك لمصالحه الإقليمية، مثلما حدث عندما منع حافظ الأسد الغطاء الجوّي عن القوات السورية التي حاولت التدخّل لصالح الفلسطينيين في الأردن في أيلول عام 1970، أو عندما احتلت قواته لبنان في عام 1976، وضربت الفلسطينيين وأسقطت مخيم تل الزعتر، وبعد ذلك لا يمكن نسيان فصول الحرب اللبنانية ودور جيشه فيها من طرابلس الى حرب المخيمات .

وبالإجمال فقد كنا نراه يضع البلاد سياسياً وقانونياً في حالة حرب من دون أي نية لخوض هذه الحرب منهكا البلاد والعباد بحرب وهمية.

ومن جهةٍ أخرى نرى بأن الخصوصية الحقيقة التي اتسم بها النظام عن سائر الأنظمة العربية الاستبدادية التي مر عليها هذا الربيع، بكونه قضى على أي مساحة انفتاح سياسي ولو ضيقة داخل البلاد، فالسلطة مطلقة عند شخص الحاكم، كانت عند الأسد الأب وورثها الأسد الابن.

ففي مصر مثلاً كان للأحزاب وجود وللمنظمات المجتمعية نشاط وللصحف حرية نسبية، وفي تونس كانت بعض النقابات والتجمعات المهنية المستقلة موجودة.

أما في سوريا، فمنذ أربعين عاما، لا وجود لأي تنظيم مدني أو سياسي ولا حياة نقابية مستقلة ولا مجال لسلطة الصحافة وكل ما نجده، وبخاصة منذ الثمانينات، هو أجهزة أمنية تدير كل شيء، تعيّن الأشخاص في كل المواقع، وتتخذ كافة القرارات انطلاقا بأصغر قرار على مستوى قرية او ناحية وانتهاءً بالتوجهات السياسية على المستوى الدولي، يضاف اليه وجود برلمان مصطنع لا يمثل المجتع، مهمته الوحيدة التصفيق لرئيس البلاد . وحكومات لا يعرف المواطن أياً من أعضائها ولا تملك القدرة على اتخاذ أي قرار او تنفيذه.

وحتى عندما قرر الأسد الوريث القيام بانفتاح اقتصادي لم بترافق مع أي انفتاح سياسي بل كل ما تغير هو أن مركّب السلطة توسّع قليلا ليضمّ بعض رجال الأعمال يتشاركون مع رجال الأمن وعدد محدود من الأفراد المقرّبين الى العائلة الحاكمة و بذلك شدّد النظام من قبضته وسحق كل حيوية في البلد وصار حضوره اشبه بالاحتلال الداخلي للدولة والاستعمار للمجتمع بدلا من الوعود التي أطلقت بالتغير والإصلاح.

وعند بدء الانتفاضة الشعبية، بدء يظهر بوضوح فقر الحياة السياسية في سوريا “وخاصةً عند النظام” بل وتبين بأنه مؤسسة أمنية ليس لها أي دور سياسي او مدني فقد أفتقد للمرونة او القدرة على التفاوض ولم نرى أي مسئول سوري يخرج للناس كسياسي او شخص يعمل بالشأن العام بل اقتصرت التصريحات على تبريرات مواربة للقمع والبطش الأمني، وجلَّ من قام بها عناصر أمنية، وكانت تقتصر في غالبها على وعود لحل مشاكل خدمية، وفي أقصى الأحوال بتغير محافظ لا حول له ولا قوة . وحتى الرئيس نفسه عندما أراد التحدت لم يتجه نحو الشعب بخطاب سياسي بتقديم تطمينات او وعود بل على العكس كانت دائما خطاباته تزيد من وهج الحراك و عنف الرد الأمني.

من هنا نرى أن بشار الأسد كان يدير سوريا كامتداد عضوي لما ورثه عن أبيه منذ قيامه بالحركة التصحيحية بعد حرب ال73 معتمداً على ركيزتين : أولاُ على شبكة من الأجهزة الأمنية الشديدة الولاء له بكافة الرتب، ومعظم ضبّاطها من أبناء طائفته . وثانيا على السياسة الخارجية كمصدر تمويل للنظام. كأموال من دول الخليج بعد تعاونه مع الولايات المتحدة في حرب عاصفة الصحراء، وتحالفه مع إيران والحصول على أموال منها، و التدخل في لبنان و أنشاء شبكات نفعية مع سياسيها المحكومين بقبضة أمنية سورية.

بهذا الشكل اتضّح بأن حافظ الأسد أقام شراكة مع الأميركيين ومع الخليجيين ومع إيران وفي المقابل ثبت تحكّمه بالشأن اللبناني واكتسب شرعية للحكم على سوريا بقبضة حديدية، واستمر وريثه على نفس الركائز فاستفاد من حرب بوش في العراق، ومن الأحداث المتصاعدة في لبنان معتمداً على شبكة أمنية مدعمة برجال أعمال ظهرت مع بدء ما سُمّي “بالانفتاح الاقتصادي” مما ادى لتوسيع شبكات الفساد والإفساد، من دون أي قدرة شعبية على الرقابة أو المحاسبة، محافظاً على أمانة والده ومعتبراً سوريا ملك شخصي وعائلي لا مكان فيها لمفاهيم كالوطن او المواطنة، ليفقد مع الوقت، المجتمع السوري بريقه، ويدجّن ضمن هذه المنظومة، منقسماً الى فئتين : فئة الشارع المحاصر، إمّا قابل بوضعه الراهن، أو المحكوم عبر القضاء الأمني الى السجون . وفئة الجمهور الصامت (وهو الغالب) . كالحاملين لذكريات ما حدث في الثمانينيات او الخائفين من أن أيا مواجهة مع النظام ومعتقدين بأنها ستؤدي بالضرورة الى السيناريو العراقي البائس ، أو الوقوع في المشاكل على الطريقة اللبنانية.

وهكذا استطعنا أن نرى لماذا اعتقد النظام بأجهزته الأمنية وشبكاته الأقتصادية النفعية بأنه محصّنٌ من هذا الربيع، واعتقادي بأنه فوجئ بهذا الحراك حتى من اكثر المتفائلين به وقد ظهر ذلك واضحاً بالتخبط الذي عانت منه السلطات في التعامل مع المظاهرات والاحتجاجات السلمية، والضياع في المرجعية لاتخاذ القرار، والتوهان بالحل الأمني، واعتماده على ركيزتين أساسيتين : أولاً، العنف الوحشي والقمع السافر للمتظاهرين من أجل الترهيب . ثانياً، التوتير الطائفي، والتلويح بالفوضى الشاملة في البلاد، لضمان خلق الاصطفاف الطائفي والولاء الاقتصادي. مدركاً بأن أي حل اصلاحي سيؤدي بمكوناته الأمنية والاقتصادية للزوال. معتمداً على التصعيد العنفي والقمعي، معززا الإنقسامات الاهلية، مراهناً على الفتنة الطائفية، منطلقاً بالبلاد نحو فوضى عارمة ممنهجة في تدمير المدن والبنية المجتمعية، نافياً أي وجود لأفق إصلاحي، ليبدأ العنف المضاد بشكل مشروع كدفاع عن النفس، لتتفاقم الأوضاع بشكل هستيري وينتفي أي مجال للعمل السياسي والمدني، مخلياً الساحة للعمل المخابراتي، ليفرغ هذا الحراك من شرعيته وتبدأ بالظهور الحركات ذات المنفعية الضيقة، او الولاءات الخارجية.

لتدخل بعدها البلاد في نفق الحرب المظلمة مخلفةً ورائها أبشع كارثة إنسانية في القرن الحادي والعشرين، تاركة ً إرثاً إنسانياً مدمراً ومدن مهدمة وملايين من المهجرين وألاف من المفقودين والكثير الكثير من الشهداء والمعذبين.

إدارة الموقع غير مسؤولة عن محتوى التعليقات

اكتب تعليق

النفير | Annafir

الصعود لأعلى