انت هنا : الرئيسية » تحقيقات » سوريون في دول الجوار، رحلة البحث عن كبرياء مفقود

سوريون في دول الجوار، رحلة البحث عن كبرياء مفقود

سوريون في دول الجوار، رحلة البحث عن كبرياء مفقود

تركيا | النفير

يبدو التهديم الحاصل لطاقات ومخزون المجتمع من علم وخبرات نتيجة الحروب، جليّ المشهد من خلال متابعة اللاجئين السّوريين في دول الجوار، والتعرّف عليهم عن قرب ولو لمدة قصيرة لاستبيان وضعهم الراهن ومقارنته بما كانوا عليه قبل مغادرتهم البلاد.
لا تنحصر مشكلة أولائك الأشخاص بكونها أزمة اقتصادية. إنما تتعداها لتشمل البعد الثقافي والمعنوي لهم ولأسرهم، ومنهم من تركت لديهم جروحاً عميقة قد تراها غالباً عند المكافحين والعصاميين أكثر من غيرهم. فهم بذلوا الوقت والجهد ليحققوا أحلامهم، مسخرّين طاقاتهم لأعوام عديدة يتطلعون إلى مجدِ استحقوه ترفعاً عن كل الملذات وهدر الزمن، رغبةً بأن يأتي اليوم الذي يعيشون فيه تحت ظلال هذا النجاح الذي طالما خططوا له، وعاشوا متطلعين إلى نوره.

على امتداد الشريط الحدودي بين سوريا وتركيا مروراً بولايات الساحل الجنوبي للجمهورية التركية وصولاً إلى وسط ثم شمال البلاد حتى نصل اسطنبول. نلتقي دائماً بناس غادروا سوريا مكرهين وليس بداعي الحلم.

في مطعم صغير نلتقي المهندس (أ.ك) متعهد سابق لأكثر من خمسة عشر عام يقول لنا أتيت انطاكيه هرباً من ضغط المحيط فأقربائي متعددي الطوائف، مما سبب لي إرهاق وضغط كبيرين لا أزال أبحث عن فرصة عمل أفضل “فتحنا هالمحلّ الصغير منبيع فيه حمص وفول شي نأمن خبزتنا، سنتين قاعدين بلا شغل”، ويكمل بجديّة وتحدّي “يدمرني الشعور الذي يعتريني إذا فكرت كيف صرفت الوقت والجهد طيلة السنين لتأمين حياة لائقة لي ولزوجتي وأولادي .. لهذا أبتعد عن التفكير”.

يخبرنا (س) من وسط سوريا مقيم حالياً في مرسين، عملت سابقاً في مجال التجارة وكنا نملك محلات لبيع المشروبات بالإضافة لمهنتي وموهبتي الأصلية في النحت، اليوم لا أعمل شيء الدكاكين في سوريا نهبت وذهبت أدراج الرياح. انتظر في مرسين متردداً بين الهجرة تهريب إلى أوروبا أو العودة الى مدينتي في سوريا. بصراحة الوضع بسوريا من الناحية المادية كان ممتاز و مدخولي المادي عالي ولكن يرافقني شعور بأني بلا كرامة وتعبي ليس لي. بينما في تركيا الوضع سيء اقتصادياً فأنا بلا عمل أصرف من مدخراتي ولكن أشعر بأمان لم أشعر به من قبل. حقيقة شعوري يلخص بجملة “كالمستجير من الرمضاء بالنار”.

(أ.ن) مهندس معلوماتية عمل سابقاً في مجال العزل المائي وأرضيات الإيبوكسي  يقول لي “كان وضعي المادي جيداً وعندي مجموعة من العمال، خرجت من سنتين من سوريا واصلاً مرسين لأحاول العمل في التجارة” يخبرنا أنه عمل في تجارة الخضروات في البداية بعد المكوث مدّة بدون عمل، ولكن نتيجة استغلال من قبل أتراك من أصول عربية من مدينة ماردين للظرف، وخيانة في التجارة اضطر لترك العمل والانتقال إلى انطاكيه. ويعمل حالياً في نقل البضائع و المواد إلى سوريا من ألبسة بالة أو مواد أخرى ويختم حديثه “بسيطة عم نتعلم من هالدنيا”.

(ر.أ) في الثلاثين من العمر، خريجة إدارة أعمال تحدثنا بحسرة: “كان عملي في السّابق بشركة عالمية مهمّة جداً في مجال الإنشاءات الضخمة وبراتب ممتاز يحلم به الكثيرون. نحن في مدينة آمنة نسبياً فطرطوس لا زالت تحت سيطرة النظام. إلاّ أن موقفي من الأحداث في سوريا والقلق من أن يطلب زوجي للاحتياط دفعنا للمغادرة باتجاه تركيا. بقيت سنة بدون أي عمل إلى أن بدأت بتعليم الإنكليزية بينما زوجي لم يحظَ بعمل حتى الآن. دخلي يوفر لي القليل القليل مما نحتاجه نعتمد قليلاً على ما يأتينا من أيجار دكاننا في طرطوس. أحياناً أشعر باليأس وينتابني الحنين لأيام رحلت ولن تعود عندما  كنا في سوريا. ولكن عندما يدور حديث أو ألتقي بأحد من الذين خسروا منازلهم بسبب هذا النظام الظالم أو فقدوا أحدا من أبنائهم بسبب تمسكه بالسلطة وألمس لديهم امتنان لوقوفي معهم ضد هذا الطاغية. أنسى كل العوذ والعجز الذي أعيشه وأشعر بالرضا عن نفسي.

نكمل جولتنا لنقف أمام ورشة بناء يعمل فيها عمال سوريين نلتقي الشاويش /وهو من أصول سوريّة كما اتضح لنا/ نسأله إن كان بإمكاننا التحدث مع أحد الشبان السوريين اللذين يعملون لديه، يصرخ متباهياً وبصوت عالي “محمود يا محمود قرّب شوف الأفندي، بدو يلاقشك” يلتفت إلينا بأنه يقدم لنا هدية ويقول بهمس “هاد محمود دكتور وقبضاي” يصل “محمود” يمد يده مصافحاً مبتسماً ومرحباً وكأنه صاحب العمل. نسأله عن وضعه هنا يخبرنا كيف أتى بعد أن نزح من ريف الشّام مع أهله، يعمل هو وأخيه في هذه الورشة لأيام ثم ينقطعان عند إتمام العمل حتى يجدا عملاً آخر بعد فترة. يحدثنا محمود: “من الصعب أن نجد عملاً ثابتاً ضمن شهادتنا فأخي يدرس الصيدلة وأنا انتهيت من دراسة الطبّ البشري وكنت أنتظر الاختصاص، حاولت إيجاد فرصة في جامعات تركيا كمنحة لأني لا أستطيع تغطية مصاريف الدراسة ولم أحظَ بفرصة حتى الآن، ننتظر بفارغ الصبر العودة إلى الشام، /مافي أحلى من البيت والبلد/”.

في مدرسة سورية نلتقي بـ (ي.م) من مدينة حلب يدرس الأدب الإنكليزي ويعمل كمترجم في معمل من معامل حلب الكبرى. غادر حلب هرباً من الفصائل المتطرفة بعد أن عمل كإعلامي ضمن أحياء حلب التي تخضع لسيطرة المعارضة، بعد أن لوحق من قبل النظام. حدثنا كيف قطع الحدود وخاطر ليصل تركيا: “..وبقيت بدون عمل أنا وثلاثة من رفاقي لمدة ثلاثة أشهر، عشنا بتقشف وحاجة شديدين، إلى أن وفقت في آخر فترة بالعمل في مدرسة كإداري، حقيقةً إن الراتب قليل جداً ولكن الكحل أحسن من العمى .. أشعر بأني قلق بشكل دائم على نفسي ومن القادم .. أشعر بالضعف ويرافقني إحساس بأني خنت الثورة والبلد عندما غادرت مكرهاً”

إنهم أشخاص صادف أن حظوا بعمل قد لا يلائم تطلعاتهم ولكن يكفي أنه يسمّى فرصة. فكلما مررت بمكان جديد سمعت قصصاً جديدة عن ناس أرهقهم البحث عن عمل ولم يجدوا ما يسدّ رمقهم. عائلات مع أطفالها تنتظر بفارغِ الصبر وهمٌ مجهول يسمّونه الحظ علّه ينقذهم أو يرفع من معنوياتهم ليكملوا مسيرهم نحو حريّة كلفتهم الكثير وأفقدتهم أغلى مافيهم .. أفقدتهم كبريائهم.

إدارة الموقع غير مسؤولة عن محتوى التعليقات

اكتب تعليق

النفير | Annafir

الصعود لأعلى