انت هنا : الرئيسية » تحقيقات » عشرون عاماً من سجن تدمر إلى صيدنايا، الفارس”محمد عدنان قصار”

عشرون عاماً من سجن تدمر إلى صيدنايا، الفارس”محمد عدنان قصار”

عشرون عاماً من سجن تدمر إلى صيدنايا، الفارس”محمد عدنان قصار”

الفارس الذي حصد الذهب والكؤوس ورفع اسم سوريا عالياً ومؤسس رياضة الفروسية في سوريا والعالم العربي

أيهم صقر | النفير

ترجل القصّار مبتسما مسح جبين حصانه وكعادة أبو توفيق يضع رأسه على رأس حصانه ويسدد عدة نطحات خفيفة مودعا إياه قبل وصول السايس المجند لاستلامه في نادي الفروسية العسكري  في منطقة الديماس.

سار أبو توفيق باتجاه الحمامات غير ملابسه واتجه إلى سيارته عندما اقترب منه المساعد أول مسؤول الإطعام في النادي ليطلب من القصار نقله بسيارته  إلى داخل دمشق, القصار الذي لم  يتوانى يوماً عن تقديم المساعدة لأي عسكري أو مستخدم مدني في النادي.

ركب المساعد أول بجانب القصار،  مد يده إلى الخلف ووضع كيس الثياب وهو يمازح القصار ويشتم سائق الباص المناوب المسؤول عن نقل العسكريين والموظفين بعد انتهاء الدوام إلى دمشق، سار القصار بسيارته نحو الباب الرئيسي بهدوء ليستوقفه رئيس المفرزة الأمنية وعناصره المنتشرين بكثافة على غير العادة، إلا إذا كان “الرائد المظلي” باسل الأسد في نادي الفروسية. استغرب أبو توفيق، واستهجن عندما طلب منه المساعد تفتيش السيارة، مع العلم أن “محمد عدنان القصار” هو من مؤسسي النادي وحجر أساس في رياضة الفروسية في سوريا والمقرّب من “باسل الأسد” ففاجأه أن تفتش سيارته ولأول مره من تاريخ وجوده في هذا النادي الذي كانت ترفع له القبعات عند مروره.

فتح رئيس المفرزه الأمنية  باب السيارة الخلفي وأخرج الكيس الذي كان قد وضعه المساعد. فتحه على عجل وكأنه يعلم بما بداخله مسبقاً. واستأنف متسائلاً: “ما الذي بداخل الكيس”. عندها كان القصار قد خرج من سيارته معترضاً على سلوك رئيس المفرزه. في حين بادره الآخر بصفعة على وجهه وهو يشتم ويقول: “متفجرات يا معلم أبو توفيق!!”.

basil_2

سُحب القصار بعنف إلى داخل غرفة الحراسة القريبة من مدخل النادي، محاط فيها بحراسة مشددة وبينما القصار في حالة ذهول وتساؤل، دخل عليه شخصين مع مدير النادي. حاول القصاص إفهامهم أن الكيس للمساعد ولا يعلم أي شي عن المتفجرات، حاول أن يشرح .. أن يستفسر… أن يستنكر… يبدو أنه اتُخِذ القرار عندما رد عليه أحد الشخصين الذي لم يسبق وأن التقاهما: “أيها الخائن أنت مراقب منذ فترة” تريد تفجير موكب المعلم أبو حافظ واغتياله.

نقل الفارس  “محمد عدنان القصار” مكبلاً إلى مكان لم يستطع التعرّف إليه حتى هذه اللحظة. بقي فيه عدة أيام لا مقابلات لا تحقيق لا مسائلة، سوى شخص واحد يقدم له الطعام والشراب الذي عكف القصار عن أكله وشربه. فتح باب الزنزانة بعد سبعة عشر يوم. سحب القصار بعنف لأحد مكاتب التحقيق  لم يوجه أي سؤال له سوى أنت الخائن وستشنق في ساحة العباسيين أيها العميل.

مرت الأيام والأشهر ثقيلة على القصار المتهم بالخيانة والعمالة إلى أن وجَد نفسه بعد فترة في سجن صيدنايا العسكري في الجناح الأسود (ج يمين) وهو في حالة من الصدمة الشديدة في مكان لم يكن ليتوقع يوماً أن يكون فيه. وهو الفارس الذي لم يخطئ يوماً ولم يخنه حصانه إلا في البطولة العربية في دولة الكويت عندما أبى حصانه أن يستجيب لرغبة “الفارس القصار” بأن يكون في المرتبة الثانية بعد “الفارس باسل الأسد”  فقد اعتاد القصار عندما يشارك مع باسل الأسد في بطولة واحدة، أن يضغط على لجام حصانه لتسجيل الأخطاء قصداً فيتقصّد ملامسة الحواجز ورمي الدفّ الخشبي ليتقدمه “باسل الأسد” ويتراجع القصار للمرتبة الثانية. ولكن هذه المرة خانه حصانه لتكون الشعرة التي قسمت ظهر البعير خانه حصانه بأنه لم يوقع الدفّ خانه لأن الحصان عرف قدر فارسه القصار، وعرف أنه يستحق لقب الفارس الذهبي، خانه الحصان الذي ذاق مهارته وجدارته. فالقصّار هو الذي درب العديد من الفرسان وصنع أبطال في الفروسية على مستوى العالم وكان له الفضل الكبير في تأسيس النوادي العربية وخصوصاً الأردن. فعلى يديه تتلمذت “الأميرة الفارسة هيا ابنة الملك حسين ملك الأردن”  والتي حاولت التدخل عدة مرات لإطلاق سراحه. ولكن تدخلها قوبل بالرفض  بحجة أن المسألة مرتبطة بالأمن القومي .

عدنان قصار
وُزع طعام الإفطار على سجناء صيدنايا في صبيحة يوم 21 كانون الثاني من العام 1994 وأغلقت الأبواب كالعادة مرت الساعات والغريب يومها الهدوء والصمت الذي ساد السجن. لم تفتح أبواب الأجنحة عند الساعة الثانية لتوزيع وجبة الغداء الذي تأخرّ على غير العادة.

كثر تساؤلهم وخوفهم. هيجان مفاجئ على باب مهجع القصار من عناصر الشرطة العسكرية الذين فتحوا الباب ليرموه أرضا وينهالوا عليه بالضرب والشتم سحبوه شبه مغمى عليه على طول الجناح وهم يركلوه ويضربوه بالعصي والهراوات حتى حطموا فكه السفلي مع أسنانه وكسروا أضلاعه وأنفه وشوهوا كامل جسده.

وضعوه بعدها بكيس من الخيش مضرجا بدمائه  وهو في غيبوبة الموت بقي القصار سبعة أيام داخل الكيس. حتى تم نقله الى سجن تدمر العسكري  وهناك عرف القصار أن مقتل باسل الأسد كان في ذلك اليوم الذي فقد فيه كل حواسه وكان السبب بنقله إلى سجن تدمر الذي عمدت إدارة السجن إلى إخراجه من زنزانته في نفس هذا التاريخ من كل عام لجلده وتحطيم ما تبقى من عظامه حتى تاريخ إغلاق القسم السياسي في سجن تدمر بعدها نقل القصار وبقية السجناء إلى سجن  صيدنايا العسكري عام 2001.

التقيت الفارس محمد عدنان القصار في سجن صيدنايا في جناح (أ يسار) الطابق الثالث عندما هدمنا جدران السجن التي كانت تفصل بين الأجنحة والمهاجع خلال فترة استعصاء سجن صيدنايا الأول في 27 آذار/مارس 2008 كان قد مضى على سجنه 15 عاماً 7 سنوات في سجن تدمر و8 سنوات في سجن صيدنايا. وأول ما أخبرني عنه وهو يبتسم ذلك الطيب انه مازال يحافظ على وزنه كفارس وانه سيعاود ركوب الخيل بعد خروجه من سجنه مع ولده توفيق الذي يحلم بأن يكون فارساً على مستوى العالم. وكم حدثني عن لقائه الأول بابنه توفيق وعائلته الذي سمح لهم بزيارته بعد 12 عام على اعتقاله حيث زاروه في سجن صيدنايا.

تركت الفارس محمد عدنان القصار في العام 2011 في سجن “صيدنايا” الذي نُقل بعد خروجي منه إلى سجن “عدرا” الذي يقيم فيه حتى هذه اللحظة. عشرون عاماً وهو يتنقل بين أفظع السجون في العالم. عشرون عاماً لم يكسروا كبرياء الفارس الذي لم يترجل يوماً عن حصانه وهو داخل سجون الأسد.

سيكون أبو توفيق يوماً معكم على نفس المقعد في حديقة ما في دمشق أو حلب، قد تلتقون معاً على مائدة طعام عند صديق ما، ستسألونه عن الحال وسيجيبكم بأنه في أحسنه، وأن القادم أجمل متفادياً أن يحدّثكم عن سجنه واعتقاله، مدركاً بأن اللغة تنتقص من وقع الألم وأن الرغبة بالحياة أشدّ عناداً من رفقة الموت. لهذا نخرج نحن بعضنا قبل الآخر، ولهذا فقط نحتفظ بالقدرة على النطق، فقط لنروي كيف تُصنع البطولة على تأنٍّ وتبنى القلوب تحت وطأة الظلام.

له الكبرياء ولكم الشرف والعزّة، بأن يكون هذا الفارس في رحاب الحريّة ليبارك الفرسان الذين يستحقون سوريا وتستحقهم يوماً.

صديقي “محمد عدنان القصار” الحرية وميادين الفروسية بانتظارك.
أيهم صقر

إدارة الموقع غير مسؤولة عن محتوى التعليقات

اكتب تعليق

النفير | Annafir

الصعود لأعلى