انت هنا : الرئيسية » رأي » في صدق الواقع الفني، يُدَوّن التاريخ

في صدق الواقع الفني، يُدَوّن التاريخ

في صدق الواقع الفني، يُدَوّن التاريخ

بشار الخليل | النفير

للنظام سياقات وأدوات فنية منظمة في الغالب. في القطاع الزمني الأول للثورة السورية سارع النظام بدفع غالب الطبقة الفنية لتغني وتسجد على صوره، ساحة الأمويين شهدت ركوع خيرة الفنانين السوريين من دراميين ومغنين على صورة الأسد، جباه الفنانين لا تعرف هذه الأرض، تعرفُ لحافَ جبين الأسد المصبوغ على النايلون المقوى، والذي أمتدَ جيداً ليكفي جباههم.

الربع الأول الذي حاول النظام فيه استخدام أوجهه الرخوة من نقابات وفنانين وأحزاب الجبهة ومنظمات مجتمع مدني مصنوعة، لم تكن لتستمر في هذيان التأييد. والحالة الفنية التي ابتدأت بكامل وهجها في القطاع الأول، تغيرت كُلياً في النصف الثاني من عمر الثورة السورية، واعتمدت بدائلياً على المباشرة والبدئية الإنسانية بكامل تفاصيلها في تصوير الواقع الحقيقي بكل رداءتهِ. الفن بوصفه اقتطاعاً من مشهدٍ يمر وينساب عبر الزمن وبوصفه استعمالاً لأقسى مجازات الواقع.

كثيراً ما تسربت مقاطع فيديو تُظهر جنود الأسد، أو من يقاتل معهم يغنون أغانٍ جلها ذا طابع ديني، أو طابع يُقلد فيه جماهير الأسد وجنوده أنفسهم مرتبة العبودية. إلا أن الطارئ الأصدق المغنى في حفلة سمر، كان لمجموعة من مقاتلي الدفاع الوطني، يتغنون بممارساتهم الارتزاقية ـ سرقة \اعتداء مع السرقة\ –  وهم على ما يبدو من التسجيل من قرية واحدة، ويشتركون سوياً في السرقة والارتزاق وبكل فخر.

الأغنية من تأليف المغني، والذي يُغني على سليقته من دون أي اصطناع، حيث ينقل المشهد اليومي المقتطع من تصرفات نظام الإبادة ويحولها إلى أغنية. فيظهرُ فنهم الأصدق والأكثر شفافية. لا يترتب على الأغنية نتائج مباشرة، بل هي تُرتب شكل النتيجة، افتقاد الاستبداد لدائرته المتماسكة، اعتباراته في إظهار ذاته فنياً أو جمالياً، انهيار التعاقدات الشعاراتية مع ما يُمكن الفن أن يقدمهُ أداتياً وصورياً.

يختصر المقطع آلاف التقارير التي تتحدث عن السرقات التي يقوم بها أبناء الساحل الذين يمثلون عماد جيش الدفاع الوطني، لا بل يُمثل أيضاً طرقهم، ومنها الاعتداء المباشر على الآمنين للسرقة فيغُنى المقطع التالي “خلينا نمسك هالختيارة تنخلص منها هالأسوارة” ولا يتمم لنا المغنى بقية القصة، فهل تُقطع يدها أو تُقتل لأخذ الإسوارة، أم يكتفون بالسرقة العُنفية المجردة عن التدخل بحياة المسروقين..!

هنا لا بُد من اختصار الثورة أيضاً وفق الرؤية الأسدية، ويذكر في الأغنية العرعور الذي يتهمهُ شطر من الأغنية بأنه من يُجبرهم على هذا السلوك الارتزاقي والعُنفي. وطبعاً وبحزن واضح وبلهجة خائفة، تُختتم الأغنية  بالقول: “بأن كل ما يحصل من أجل بشار الأسد الغالي وبقائه رئيساً”.. ليس الحزن الظاهر في اختتام الأغنية ينم عن ندمٍ يُصاحب المُجرمين المُنظمين في أعمالهم وطغيانهم. بل فساد النفس البشرية جراء انحطاط اجتماعي كامل، حينها يبدو كل فعلٍ سيء ينم عن واقع حقيقي ومُبرر. وتبدو الأغنية المرتجلة أكثر التماساً للواقع من آلاف الأغنيات التي قد تُغنى عن بسالة جيش الأسد وأخلاقه. عموماً تعكس الأغنية أيضاً طبيعة الوعي العام لدى السوريين عن فساد ميليشيا تراعها الدولة وتدعمها.

إدارة الموقع غير مسؤولة عن محتوى التعليقات

اكتب تعليق

النفير | Annafir

الصعود لأعلى