انت هنا : الرئيسية » رأي » السّاروت .. عندما تُصبح القاعدة أملاً

السّاروت .. عندما تُصبح القاعدة أملاً

السّاروت .. عندما تُصبح القاعدة أملاً

بشار الخليل | النفير

فاجأ عبد الباسط ساروت جماهير الثورة السورية، ذلك على مستوى النخبة التي ترتاد الثورة من خلف الصفحات الاجتماعية على الإنترنت، عندما أعلن ولائه لتنظيم القاعدة بقيادة أيمن الظواهري، وميله لصلح ديني وأخلاقي عسكري بين تنظيم القاعدة بقيادة الظواهري وأبو بكر البغدادي المنشق عن إرادة الظواهري.

يأتي هذا في ظل انحسار الأوجه المدنية للثورة، وانحسارها بغطاء الائتلاف الوطني الذي حاول لم شمل جميع القوى السياسية والمدنية والاجتماعية، وانحسار تأثيرها لحد الصفر فيما يخص الكتائب المسلحة، ونذكر في السياق باستقالة وزير الدفاع (أسعد مصطفى) من الحكومة المؤقتة وذلك لنقص التمويل في المال والسلاح.

من هنا نرى الوجه الآخر للثورة السورية والذي يتطور في الواقع الفعلي الأداتي. الأداتية المقصودة هنا هي طبيعة سريان الثورة كحركة تحرر في وجه الأسد وقواته وميليشياته، وفي كثيرٍ من الأحيان في وجه الطائفة العلوية التي باتت بكليتها مسلحة وتقاتل من أجل النظام الذي حول الصراع إلى طابع عتيق ديني بكافة رموزه بخلفية علوية وشيعية واضحة، وحول فئات مقاتلة تحررية إلى الأيديولوجيا الإسلامية الجهادية، ما لم نتحدث عن جذبه لآلاف المقاتلين الإسلاميين (السُنيين) من الخارج، والتي أثبت أبنائها في غير مكان شراسة قلَّ نظيرها في مواجهة قوات الأسد. الكلام ليس مدحاً، إنما هو فهماً لطبيعة الصراع ومجرياته الأداتية، فالأدوات والأنماط و التسويغات تُفيد في فهم التغيرات في المواقف والسلوكيات للكثير من السوريين المعنيين في الشأن الثوري.

بحلةٍ تعبة، وبين الركام يظهر الساروت ليطلب عون تنظيم القاعدة، الساروت يُغيّب بشكل قاطع كل القوى الثورية كلجان التنسيق المحلية، وقيادات الجيش الحر، والائتلاف الوطني و شاكلاته السياسية. فالمقاتل الذي بدأ ثورته بالمظاهرات السلمية استحال الواقع بهِ ليُصبح مقاتلاً ويُستشهد له أخٌ وأقرباء وأصدقاء، وتترك مدينته تحت أقدام الفاشية الأسدية، بكامل عدتها العسكرية.

من هنا تبدو لنا المقاربة العامة لانتشار التطرف وافرة ومهمة، فالقيد الدولي الممنوح للمأساة السورية جعل كُل شيء يصل لمستوياته القصوى. فالثائر حارس المرمى السابق الذي  كان يغني ويرقص، ويلبس لباس الجينز، ويغني أغانٍ وطنية  وأغانٍ تتغنى بدولة مدنية ديمقراطية بمقومات العدالة الحديثة، استحال بكامل كآبته إلى نصير لجبهة النصرة والقاعدة، اللجوء للقاعدة بِلا منطلقات نظرية، بعد كل جملتين يقول الساروت : ” نطلب العون للعودة إلى حمص ..، ويذكر بعد حين في التسجيل أنه لا ينتظر سوى عون الله والمقاتلين الإسلاميين ..” من هنا يبدو أن النصير /الساروت/ ألقي في اليمِّ مكتوف اليدين وقيل له أياّك أيا كان أن تبتل بالماء (بتصرف من الحلاج) فلا العدالة الدولية أنقذت مدينته، ولا مقاتلين الجيش الحر استطاعوا الذود عن المدينة وحمايتها.

والسّاروت كغيره يرى مقدار التدخل الشيعي الكبير في المنطقة و يلتبسه سخطٌ على العالم الحديث بسياسيه ومنظماته التي لم تفعل شيئاً لإيقاف آلة الحرب الأسدية. وليس انحراف الساروت اللفظي والتعبيري الظاهر في المقطع سوى دلالة كاملة عن الحطام المحيط واليأس الذاتي والفردي وما الإنجراف إلى أقصى يمين التوجّه الديني سوى تعبير مُجرب شرق أوسطياً لانتساب الناس وإيمانها بالآيديولوجيات التطهيرية السلفية.

والأهم تثمير الأداتية العسكرية للإسلاميين ومقدار تضحياتهم التي تجذب كل مظلوم ويائس. قد تشبه حالة السّاروت كحالة عيانية سورية اليأس الأوروبي في طيات الربع الأول من القرن العشرين، بانحدار قيم الليبرالية السياسية، وسقوط المفاهيم الثورية الماركسية، واستحالة أوروبا إلى طغيان ستاليني ونازي. الفارقة الأهم والتي تتكرر على مر الزمن، أنه كلما تقلصت العدالة  بمعناها الكلّي واحتجبت، تحول مفهومها إلى مستواه الجزئي التهديمي، وفي حالتنا إلى أكثر حركات التحرر عدمية وجزئية.

أن يكون ثائر سوري تحت مظلة القاعدة، هذا ليس دليلاً على سلفيته، ولا على سقوط العلامات الفارقة من ديمقراطية أو مدنية للثورة السورية. بل هي دلالة عكسية، تتمثل دوماً برداءة أدوات التحرير لا أكثر، قياساً لسقوط أدنى مفاهيم وإجراءات العدالة في العالم.

إدارة الموقع غير مسؤولة عن محتوى التعليقات

اكتب تعليق

النفير | Annafir

الصعود لأعلى